9ra6 Logoالصِّــرَاط

الشيخ خالد الراشد الموت

8منذ 6 شهر

الوصف

الموتُ ليس قصة تُروى، ولا مقطعًا يُشاهَد ثم يُغلَق ويُنسى… الموتُ موعدٌ حقيقيّ، كُتِب في اللوح المحفوظ، لا يتقدّم ولا يتأخّر لحظة واحدة، قال تعالى:﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾.كل ثانيةٍ تمرّ هي خطوة نحو النهاية، وكل نفسٍ نأخذه يقربنا من ذلك اللقاء العظيم مع ربّنا. هل فكّرت يومًا في أول ليلة ستقضيها في القبر؟ هل خطر في بالك ماذا ستكون حالتك حين تُحمَل على الأكتاف وتُوضَع في الحفرة المظلمة؟ هذا ليس خيالًا، بل حقيقة ستختبرها كل نفسٍ حية.لكلِّ واحدٍ منّا ساعةٌ معلومة، ونَفَسٌ أخير لا نعرف متى يكون. اليوم تقرأ هذه الكلمات بهدوء، وغدًا ربما يكون اسمك في ورقة نعي تُعلَّق على باب مسجد، أو في رسالة في هاتف: “انتقل إلى رحمة الله…”.كم جنازةً صلّينا عليها؟ كم قبرًا وقفنا عنده وتأثرنا قليلًا ثم خرجنا نضحك؟ كم صاحبًا كان يجلس معنا واليوم في قبره ينتظر دعوة صادقة؟ ومع ذلك نعود إلى الغفلة، إلى السهر على ما لا ينفع، وإلى التساهل في المعاصي، كأن الدور لن يصل إلينا.ليست كلُّ سَكرةٍ سَكرة خمر؛ أخطر منها سَكرة الغفلة. قال تعالى:﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾.نطارد الدنيا: وظيفة، راتب، ترقية، بيت، سيارة، شهرة، متابعون… نخطِّط لكل شيء، إلا للّحظة التي يُغلَق فيها كتاب العمر. قلَّ من يسأل نفسه بصدق: ماذا أعددت لأول ليلة في قبري؟ ماذا أعددت لساعة الوقوف بين يدي الله؟قال النبي ﷺ:«الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ، وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ المَوْتِ، وَالعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ».العاقل يحاسب نفسه قبل أن يُحاسَب، ويزن أعماله قبل أن تُوزن عليه، ينظر في نظره، في كلمته، في ماله ووقته. أمّا العاجز فيؤجِّل التوبة، ويقول: “سأتوب غدًا، إذا كبرت، إذا انتهيت من مشاكلي…” حتى يُفاجئه الموت وهو في سَكرة الغفلة.سيأتي يوم تتغير فيه ملامح الوجه، يبرد الجسد، تثقل الأنفاس، تضعف اليد، لا قوة ولا حيلة، حولك وجوه تبكي وأيدٍ تمسح عليك، لكن لا أحد يملك أن يزيد في عمرك ثانية واحدة، قال تعالى:﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾.في تلك اللحظات إما ملائكة رحمة بوجوه بيضاء مشرقة يبشّرونك برضوان الله وجنّته، وإمّا ملائكة عذاب – نعوذ بالله – بوجوه مخيفة، يبشّرون بسخط الله وعذابه. يومها لن تنفعك ضحكةٌ على مقطع حرام، ولا جلسة مع رفقة سوء، ولا ساعات ضاعت أمام الشاشات، سيتمنّى العبد سجدةً واحدة، دمعةً واحدة، تسبيحةً واحدة… لكن انتهى زمن العمل، وبدأ زمن الحسرة والحساب.ثم يُحمَل الجسد على الأكتاف، والناس يقولون: “أسرعوا بالجنازة”. تُوضَع في الحفرة، يُحلّ الكفن، تُسدّ اللَّبِنات، يُهال التراب على وجهك؛ هذا التراب الذي مشيتَ عليه سنين، اليوم يُسكَب فوقك. كان هنا سرير وغطاء وراحة، أمّا الآن فحفرة ضيّقة، وظلمة، ووحشة.قال رسول الله ﷺ:«القَبْرُ أوَّلُ مَنَازِلِ الآخِرَةِ، فَإِنْ نَجَا مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَيْسَرُ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ».اليوم غرفتك واسعة، مليئة بالضوء والراحة، وغدًا قبرٌ ضيق، ظلام، تراب، لا أنيس فيه إلا عملك؛ قرآنٌ قرأته أو هجرته، صلاةٌ حافظتَ عليها أو ضيّعتَها، مالٌ اكتسبته من الحلال أو من الحرام، علاقاتٌ كانت على طاعة أو على معصية.كان عثمان بن عفان رضي الله عنه إذا وقف على القبر بكى حتى تبتلَّ لحيته، ويقول: “القبر أوّل منازل الآخرة”. وقال الحسن البصري رحمه الله: “يا ابن آدم، إنما أنت أيام، إذا ذهب يومك ذهب بعضك”، كل يومٍ ينتهي هو قطعة من روحك لا تعود، فكيف يرضى العاقل أن تذهب هذه القطع في لهو وغفلة؟أشدُّ لحظة حسرة، حين تنتهي الدنيا ويُرفَع الحجاب، ويرى الإنسان الحقيقة التي كان يسمع عنها ولا يستعدّ لها. قال تعالى:﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ المَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾،فيأتي الجواب القاطع: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾؛ كلمة ندم جاءت متأخرة، بعد أن أُغلِق باب التوبة.قال بعض السلف: “إياكم والتسويف، فإنكم اليوم تعملون ولا تُحاسَبون، وغدًا تُحاسَبون ولا تعملون”، ويقول تعالى:﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.فأفِق من سكرتك قبل حسرتك، واستيقظ قبل أن تُوقِظك شدّة الموت، بادرْ بالتوبة الآن، لا تنتظر موسمًا ولا ظرفًا، ربّ رمضان هو ربّ سائر الشهور، وربّ المسجد هو ربّ البيت والعمل والشارع.قال تعالى:﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.ما دمتَ تتنفّس فباب الرجوع مفتوح، وما دام قلبك ينبض فإن الطريق إلى الله قريب، فأصلِح صلاتك، طهّر بصرك وسمعك، نظِّف هاتفك من الحرام، اختر صحبةً صالحة، واجعل لك وِردًا من القرآن، ووقتًا كل يومٍ تُحاسب فيه نفسك.تخيّل لو قيل لك الآن: بقي من عمرك ساعة واحدة… ماذا ستفعل؟ على أي ذنب ستبكي؟ وأي باب حرام ستُغلِق؟ وعلى أي طاعةٍ ستندم أنك قصّرت فيها؟ اعمل من الآن كأن تلك الساعة قد كُتبت، وكأن ملك الموت على الباب ينتظر الأمر.أفِق من سكرتك قبل حسرتك، وارجع إلى ربك بقلبٍ منكسِر، وعينٍ دامعة، ولسانٍ يقول بصدق:اللهم إني تبتُ إليك، ورجعتُ إليك، وندمتُ على ما فعلت، اللهم اجعل الموتَ راحةً لنا من كل شر، واجعل قبورنا روضةً من رياض الجنة، وآخر كلامنا من الدنيا: لا إله إلا الله، محمدٌ رسول الله.

التعليقات (0)

يجب لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

مقاطع مرتبطة